لفلي سمايل

قصة الفرار العجيب

تاريخ الإضافة : 23-9-1432 هـ

الباب الثاني: الدولة الأموية في الأندلس

 

الفصل الأول: عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)

 

ثانياً: قصة الفرار العجيب:

 

* عام 132هـ 750م أبو العباس السفاح:

- وتولى أبو العباس السفاح أمر الخلافة بتتبع الأمويين، فأجرى القتل في صفوفهم وبين أفرادهم، حتى إن سليمان بن علي (وهو عم أبي العباس السفاح) والي البصرة يأمر بقتل الأمويين ويرمي جثثهم على الطرقات تأكلها الكلاب! فاشتد الرعب ودب الهلع فيهم، فتوارَوْا عن الأبصار، واختفوا في المناطق النائية، وتفرقوا في البلدان. وكان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام من المطلوبين.

 

قصة الفرار العجيب

قصر الحير الشرقي يمثل جزءاً من الفن المعماري للدولة الأموية

 

* صفات عبد الرحمن الداخل:

- كان كما تقدم وصفه: راجحَ العقل، راسخَ الحلم واسع العلم كثير الحزم نافذ العزم لم ترفع له راية على عدو قط إلا هزمه، ولا بلد إلا فتحه، شجاعاً مقداماً شديد الحذر، قليل الطمأنينة لا يخلد إلى راحة ولا يسكن إلى دَعة، لا يكل الأمر إلى غيره، كثير الكرم عظيم السياسة...وصفات أخرى كثيرة قلّ أن يتصف بمثلها كثير من القادة والرجال.

- تربى في دمشق حيث ولد فيها، وتأدب في بيوت الملك أعظم تأديب وأحسنه، وتدرب على  الفروسية أفضل تدريب وتعلم فنون القتال، كما تأدب على كثير من معاني الخلق العربي الأصيل، وكان شاعرا ًرقيق الشعر، يأتي بأعذب الكلمات وألطف المعاني، جيد السَّبك، قال لما استقرت الأمور له في الأندلس، وقد رأى قافلة متجهة إلى الشام:

 

أيهـا الراكب الميمــّم أرضي    أقرِ من بعضي السـلام لبـعـضي

إن جسمي كما علمت بأرضٍ    و فــــؤادي ومــالكـيــــه بـأرض

قــُدِّر البـيْنُ بيـننـا فــافــتـرقـنا    وطوى البيْنُ عن جفونيَ غمضي

قــد قضى الله بالفـراق علينـا    فعسـى بـاجتمـاعنا سـوف يقـضي

 

* شوقه إلى الشام:

- وكان جالساً في قصره بالرصافة يوماً فرأى نخلة، (ولم تكن بأرض الأندلس النخلُ) وكان هو الذي أمر بجلبها وزراعتها هناك، فهاج به الشوق إلى الديار واستبد به الحنين إلى الأهل والأحبة، وذكرى الأصدقاء فقال:

 

تبــدّت لنا وسط الرصافة نخلةٌ     تناءت بأرض الغرب عن بلد النخل

فقلت شـبيهي بالتغرب والنوى     وطـول اكـتـئـابـي عـن بـنيَّ وأهـلي

نشأتِ بأرضِ أنتِ فيها غريبةٌ     فـمـثلُك في الإقـصاء والمنتأى مثلي

سقتك عوادي المُزن في المنتأى الـذي     يسـحُّ ويسـتـمـري السِّمـاكيْن بالوبْل

 

* حب الوطن:

- فحب الوطن فطرة في الإنسان السليم، وبديهي أن يتذكر المرء بلده وأهله وهذا لا يتنافى مع الإيمان، فالصحابة الكرم رضوان الله عليهم كانوا يتغنون بحب مكة وشعابها وهم في المدينة المنورة، فكان بلال رضي الله عنه إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:

 

ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة       بوادٍ وحولي إذخرٌ و جليلُ

وهل أرِدَنَّ يومـاً مـيـاه مـجنـة         وهل يبـدُوَنْ لي شامة وخليل

- فقال عليه الصلاة والسلام :( اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ) صحيح البخاري.

 

- وما علينا إلا أن ننشئ ناشئتنا على حب الوطن، و نعلّم الشباب حبّ الديار والأرض دون أي تعصّب أو كراهية، ويكون التعصّب إذا قُدِّم حبُّ الديار على حبّ الله وطاعته، أو ينزلها ولا يؤدي ما يطلب منه للدعوة إلى الإسلام وإقامة شعائره وشرائعه، وحب الأهل والوطن معنى سامٍ لا تعرفه إلا النفوس العليّة الطيبة.

 

* الاختفاء:

- فرّ عبد الرحمن، واشتد عليه الطلب، واختفى في قرية نائية على شاطئ الفرات في بادية الشام سنة 132هـ، إذ حدث حادث يقصه هو في مذكراته إن صح التعبير، فيقول:

وإني لجالس في ظلمة في تلك القرية تواريت فيها برَمَدٍ أصاب عيني، وابني سليمان ـبِكرُ ولديـ  يلعب قُدّامي، وهو يومئذ ابن أربع سنين، فخرج من البيت لحظة، ثم دخل إلى الغرفة فزعاً باكياً يلقي بنفسه عليّ، فجعلت أدفعه لما بي، وهو يتعلق بي لأنه خائف يقول ما يقوله الصبيان عند الفزع، فخرجت لأتبين فإذا بالروع قد نزل بالقرية، وإذا بالرايات السود عليها منحطّة، وأخي حديث السنّ يشتد هارباً وينادي: النجاةَ َالنجاةَ يا أخي، فهذه الرايات مسودة، فضربت بيدي عدة دنانير ونجوت بنفسي والصبي أخي معي، وأعلمت أخواتي بمقصدي وأمرتهن أن يلحقنني, ومولاي (بدر)معهن.

- فكمنت في موضع ناء عن القرية، فما كان إلا ساعة حتى أقبلت الخيل فأحاطتْ بالدار فلم تجد لي أثراً، ومضيت ولحقني بدر، فأتيت رجلاً من معارفي بشطّ الفرات فأمرته أن يبتاع لي دوابّ وما يصلح لي للسفر، فدل أحد عبيده السوء عليّ فما راعنا إلا جلبةُ الخيل، فسبقناها إلى الفرات، ورمينا بأنفسنا إلى النهر.

 

* السباحة والمأساة:

- ووصلت الخيل إلى الشاطئ الآخر، وكنت أحسن السباحة، ولما قطعنا نصف الفرات تعب أخي واندهش، فالتفتُّ إليه لأقوي همته وهم يخدعونه بالأمان، فلم يسمعني وخشي الغرق، واغترّ بأقوالهم، فأسرع نحوهم، وهم ّبعضهم أن يتجرد ليسبح ويلحقني فمنعه أصحابه، فتركوني، ثم قدّموا الصبي أخي وقتلوه مع أنهم كانوا قد أعطوه الأمان، ومضوا برأسه وأنا أنظر إليهم وهو ابن ثلاث عشرة سنة.

 

* إلى المغرب:

- فاحتملت عليه ثُقلاً، وملأني الحزن وملأني مخافة، ومضيت على وجهي أحسب أني طائر لا على قدميّ فلجأت إلى غيضة كثيرة الشجر، فاختبأت فيها حتى خفّ الطلب ثم خرجت أطلب المغرب.

- ولما استقر به المقام هناك أرسل يطلب أولاده وأمواله فأرسلوا إليه وتحسنت أحواله، ومعه مولاه بدر وابنه سليمان.

 

قصة الفرار العجيب

مطاردة عبد الرحمن الداخل وقتل أخيه غدراً

مواضيع ذات صلة

إضف تعليقك

فضلا اكتب ماتراه فى الصورة

تعليقات الزوار (0)

ملاحظة للأخوة الزوار : التعليقات لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع لفلي سمايل أو منتسبيه، إنما تعبر عن رأي الزائر وبهذا نخلي أي مسؤولية عن الموقع..